بوست 24 : أحمد أزبدار
شهدت مدينة تطوان خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً لعدد من الطقوس والعادات التي كانت تؤثث أجواء شهر رمضان الأبرك، وفي مقدمتها مظاهر الاحتفاء بأول يوم صيام للأطفال، وهي تقاليد اجتماعية راسخة ارتبطت بذاكرة أجيال متعاقبة من الأسر التطوانية.
ومن أبرز هذه العادات، الاحتفال بأول صيام للطفل الذكر، حيث كان يتم تصعيده إلى سلم خشبي أو حديدي داخل البيت، في مشهد رمزي يعكس “الارتقاء” والبلوغ خطوة جديدة في مسار التربية الدينية، وبعدها يتناول التمر والحليب وسط أجواء من الفرح والزغاريد، قبل أن تُقدم له هدية رمزية تشجيعاً له وتحبيباً في الصيام.
أما الطفلة، فكان الاحتفاء بها يأخذ طابعاً خاصاً، إذ تُزيَّن كعروس صغيرة بلباس أبيض تقليدي، مع وضع لمسات جمالية خفيفة، في أجواء عائلية مفعمة بالاعتزاز، وتتسلم بدورها هدية رمزية تقديراً لصيامها الأول، في تقليد اجتماعي يهدف إلى ترسيخ القيم الدينية في نفوس الأطفال وتحفيزهم على الاستئناس بالصيام منذ الصغر.
عدد من الأسر التي استقت الجريدة آراءها أكدت أن هذه الطقوس بدأت تتلاشى تدريجياً، مرجعة ذلك إلى تغير نمط العيش، وضيق الوقت، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى غياب الوعي بأهمية المحافظة على الموروث الثقافي المحلي.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن مثل هذه العادات لم تكن مجرد طقوس احتفالية عابرة، بل شكلت آلية تربوية واجتماعية لتعزيز الروابط الأسرية وغرس القيم الدينية بأسلوب محفّز ولطيف بعيد عن الإكراه.
وفي ظل هذا التحول، يطرح متتبعون تساؤلات حول سبل إعادة إحياء هذه التقاليد بما يتماشى مع روح العصر، حفاظاً على هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، خاصة وأن شهر رمضان ظل على الدوام مناسبة جامعة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والثقافية.
ويبقى اختفاء مظاهر الاحتفال بأول صيام للأطفال بتطوان مؤشراً على تحولات أعمق يعرفها المجتمع المحلي، بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على أنماط عيش جديدة.
Post 24 جريدة الكترونية