بوست24 : ايمن الغازي
في المشهد السياسي والمدني المغربي، تبرز بين الفينة والأخرى حملات موجهة تقودها أقلام ومنابر آثرت أن تبيع نفسها في سوق البخس والارتزاق. حملات لا تجيد سوى صياغة الافتراءات، وإطلاق الشائعات، ومحاولة النيل من قامات وطنية أفنت عقوداً من عمرها في خدمة قضايا الوطن والجهة من مختلف مواقع المسؤولية.
وما الاستهداف الأخير لـ «الشريف» عبد اللطيف الغلبزوري عبر محاولات التبخيس والنيل من مساره، إلا حلقة جديدة من سلسلة الاستهدافات الموجهة ضد قيادات حزب «الأصالة والمعاصرة»؛ إذ يتطابق هذا التشويش تماماً مع حملات التشهير والافتراء التي تلاحق الأخت فاطمة الزهراء المنصوري، ومع تيار التضليل والكذب الموجه ضد الأخ محمد المهدي بنسعيد.
الهجوم على الرموز.. محاربة للمشروع وللمغاربة
فالمتأمل في هذه الهجمات المتواترة يوقن سريعاً بأن مرماها الحقيقي يتجاوز الأشخاص ليصوب مباشرة نحو فكرة ومشروع «الأصالة والمعاصرة»؛ هذا المشروع الذي تأسس ليكون ظهيراً للمرأة، والشاب، والمثقف في المجتمع المغربي. إن هذه المحاولات الممنهجة تكشف بوضوح عن مسعى خفي يهدف إلى محاصرة الركائز الأساسية التي يقوم عليها التغيير؛ فالتشهير الذي يطال قامة بوزن فاطمة الزهراء المنصوري يروم في عمقه كبح نموذج «المرأة المغربية» الرائدة القادرة على تدبير الشأن العام بنزاهة وكفاءة، تماماً كما أن السهام الموجهة نحو محمد المهدي بنسعيد لا تستهدف سوى اغتيال طموح «الشاب المغربي» المجدد الذي يسعى لضخ دماء جديدة وكسر رتابة المؤسسات، وهو عينه السياق الذي تأتي فيه الدسائس المنسوجة ضد عبد اللطيف الغلبزوري لضرب نموذج «المثقف المغربي» الملتزم الذي يرى في الوعي والفكر المدخل الأساسي لتقدم المجتمع.
افتراءات القبلية والعنصرية الوهمية
من الطبيعي جداً أن يثير هذا التحامل هكذا مشاعر من الأسف والاستياء، فتبخيس مسارات وطنية ونضالية ممتدة لأربعة عقود، بذلت في العمل المدني والحقوقي والسياسي، هو سلوك لا يسيء للشخص المستهدف بقدر ما يسيء لأصحابه ويكشف إفلاسهم الفكري.
لكن المثير للسخرية والشفقة في هذه الحملات الموجهة ضد “الشريف” عبد اللطيف الغلبزوري هو استخدام “نكهة عنصرية غريبة” لمحاولة خلق فرز جهوي وهمي؛ فحينما تحاول هذه الأقلام جاهدةً حصر هوية الرجل ونسبه للريف وكأنه “غريب” عن طنجة، فإنها لا تسقط فقط في فخ العنصرية، بل تكشف عن جهل تاريخي وسوسيولوجي مطبق وطرح لا يقبله منطق العقل في مغرب 2026.
وهنا تبرز الحقائق الساطعة التي تدحض هذه الافتراءات وتكشف زيفها المطبق، مستندة إلى واقع سوسيولوجي وتاريخي لا يمكن القفز عليه. فمن يجهل تاريخ طنجة يجهل أنها تأسست أساساً على كسر النظرات الإقصائية الضيقة، إذ لم تكن هذه المدينة يوماً حكراً على فئة دون أخرى، بل إن “الروح الطنجاوية” الأصيلة نُسجت من تلاحم ديموغرافي فريد، غدت معه طنجة بمثابة البوتقة الكبرى التي انصهرت فيها الفوارق لتنتج هوية محلية متجانسة وقوية، لا يتعارض فيها التجذر المديني أبداً مع الأصول والامتدادات الجغرافية.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات الفصل والفرز بين المكونين الريفي والجبلي في طنجة، أو تصوير أحدهما كعنصر دخيل، بمثابة قراءة بليدة ومعزولة عن الواقع وسياق التاريخ؛ فالترابط والاندماج بين هذين المكونين ليس نتاج هجرات حديثة أو وليد اليوم، بل هو واقع حي متجذر منذ مئات السنين. لقد شكل الريف والشمال على مر العصور وجداناً واحداً وفضاءً ترابياً واجتماعياً لا يقبل التجزئة، تمازجت فيه العائلات عبر المصاهرة، والتجارة، ونضال المقاومة المشترك ضد الاستعمار، لتكون طنجة الثمرة التاريخية الناضجة لهذا التلاحم الإنساني الحميمي.
ومن المثير للعجب والأسف معاً، أن تخرج نبرة مأجورة في مغرب 2026 لتصنف الفاعلين والمواطنين بناءً على أصولهم الجغرافية داخل الوطن الواحد. ففي مغرب اليوم، مغرب الجهوية المتقدمة، والمواطنة الدستورية الكاملة، وتكافؤ الفرص، يصبح الارتداد إلى منطق «هذا ريفي وذاك جبلي» نوعاً من العبث الفكري والصبيانية السياسية التي عفا عليها الزمن؛ إذ تظل الكفاءة، والعطاء الميداني، والالتزام بقضايا الساكنة هي المعايير الوحيدة للمشروعية، وهو النموذج الذي يمثله عبد اللطيف الغلبزوري كفاعل يخدم جهته ووطنه دون قيود أو مركب نقص وهمي.
إن المسار الحافل والعطاء الغزير للأستاذ عبد اللطيف الغلبزوري لا يمكن اختزاله في مجرد محطات عابرة، بل هو سيرة نضالية ممتدة عبر أربعة عقود من الزمن، تشابكت فصولها مع تفاصيل النهضة الثقافية والسياسية لشمال المملكة. فمنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً حينما تقلد مهام نائب رئيس «جمعية أصدقاء السينما بطنجة» سنة 1988، وضع الرجل لبنات حقيقية في جدار الفعل الثقافي الجاد، مساهماً في نشر الوعي البصري، ومنتخذاً من الشاشة الفضية نافذة للانفتاح الفكري ومحاربة الركود في مرحلة تاريخية كانت تشهد تحولات عميقة ومفصلية في المغرب.
فأي منطق سليم هذا الذي يملك أصحابه الجرأة على التساؤل عن هوية رجل نذر ربيع عمره، منذ ثمانينيات القرن الماضي، لبناء صرح ثقافي وفني في حاضرة طنجة؟ كيف يُعقل لمن قاد معارك التنوير مبكراً، وحارب بكل شراسة من أجل نشر قيم الفن، وإتاحة الثقافة السينمائية لعموم أبناء المدينة، أن يُصنَّف اليوم خارج أسوارها بنظرة إقصائية قاصرة؟! إنها لمفارقة سوسيولوجية تدعو بحق للذهول والأسف معاً؛ ففي دول ومنظومات قريبة منا جغرافياً وسياسياً، يكفي الفرد أن يقيم ثلاث أو خمس سنوات ليمتزج بكيان المجتمع ويحصل على الجنسية والمواطنة الكاملة بقوة القانون والاندماج الواقعي، فكيف بنا في وطن واحد نرى أصواتاً نشازاً لا تزال حبيسة فكر إقصائي ضيق، وتفكير قبلي متحجر يوزع صكوك الانتماء لمدينة مغربية عريقة وفق أهواء الارتزاق؟
لقد تواصل هذا التدفق النضالي عبر عقود، لينتقل بسلاسة من الشغف السينمائي إلى الحقول الحقوقية الصلبة، ومنها إلى هندسة كبريات التظاهرات الفكرية والثقافية التي بصمت تاريخ المنطقة، وفي مقدمتها «مهرجان ثويزا» الذي تحول تحت إشرافه إلى منارة وطنية ودولية لحوار الثقافات وإحياء الموروث المشترك، وصولاً إلى تقلد أرفع المسؤوليات التدبيرية والسياسية بالجهة. هذا الرصيد التراكمي الوازن والحي، المكتوب بعرق الميدان وصدق العطاء، محفور بمداد من نور في وعي الساكنة المحلية وذاكرة النخب الفكرية والسياسية الحقيقية؛ وهو بناء متين وصخرة صماء لا تملك تلك «الأقلام العابرة» ولا الغرف المظلمة التي تحركها القدرة على هدمه أو طمسه بجرة قلم مأجور، فالأثر الميداني الصادق باقٍ في وجدان الأرض والناس ويشتد عمقاً وثباتاً، بينما يذهب زبد الافتراء وصبيانية التشويه جفاءً.
كلمة الفصل
وفي العمل العام، يبقى منطق “الشريف” متمسكاً بالترفع عن المهاترات الجانبية، والتقدم بثبات وفق مقاربة واقعية تتوخى الفعالية في خدمة قضايا الوطن والجهة بكل موضوعية ونزاهة، مراهناً على الميدان وعلى حكم التاريخ الذي لا يخطئه منصف.
وفي المقابل، ستبقى تلك الأقلام المأجورة على هامش الذاكرة الشعبية، معلنةً عن إفلاس أصحابها أمام صمود منطق البناء والنضال الحقيقي.
د.أيمن الغازي
عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة
Post 24 جريدة الكترونية