الثلاثاء , أبريل 28 2026
أخبار عاجلة

لماذا‭ ‬فقد المغاربة ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المنتخبين‭ ‬وأهل السياسة ؟

بوست 24 :رشيد حموني

رغم‭ ‬كل‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬تجربتنا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬يجتاحني‭ ‬أحياناً،‭ ‬وبقوة،‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ (‬بالمعنى‭ ‬السياسي‭ ‬للكلمة‭) ‬حول‭ ‬ما‭ ‬الجدوى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سياسيا‭ ‬منتخبا‭ ‬تمثل‭ ‬الناس،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬برلمانيا،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬رئيس‭ ‬فريقٍ‭ ‬برلماني،‭ ‬في‭ ‬سياقٍ‭ ‬يتسم‭ ‬بتجاهل‭ ‬الحكومة،‭ ‬بقطاعاتها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬العمومية‭ ‬ووزرائها‭ ‬ومسؤوليها‭ ‬المركزيين،‭ ‬لمعظم‭ ‬المبادرات‭ ‬والاقتراحات‭ ‬والتنبيهات‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬منتخب‭ ‬دوره‭ ‬الأساسي‭ ‬نقل‭ ‬هموم‭ ‬المواطنين‭ ‬وآلامهم‭ ‬وآمالهم‭ ‬وانشغالاتهم‭ ‬إلى‭ ‬المدبرين‭ ‬العموميين‭.‬e

وينتابني‭ ‬تساؤلٌ‭ ‬قوي،‭ ‬بالتالي،‭ ‬حول‭ ‬أيِّ‭ ‬مصداقية‭ ‬وأي‭ ‬ثقة‭ ‬وأيّ‭ ‬مكانة،‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لممثل‭ ‬الأمة،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬الناسُ‭ ‬مثلهم‭ ‬تماماً،‭ ‬بعين‭ ‬بصيرة‭ ‬ويد‭ ‬قصيرة،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬الفارق‭ ‬بالشكل‭ ‬المتوخى،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬واقعٍ‭ ‬مرير،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬حلِّ‭ ‬مشكلٍ،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬قام‭ ‬بما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬مبادراتٍ‭ ‬لإيصال‭ ‬صوت‭ ‬الناس‭ ‬وقضيتهم‭. ‬

جل‭ ‬القضايا‭ ‬والمشاكل‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬محلية‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬بعد‭ ‬وطني،‭ ‬يتم‭ ‬طرحها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أسئلة‭ ‬برلمانية‭ ‬أو‭ ‬مقترحات‭ ‬قوانين،‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬التنبيه‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬مداخلات‭ ‬نائبات‭ ‬ونواب‭ ‬الأمة‭ ‬الملتصقين‭ ‬بهموم‭ ‬الناس‭ ‬فعلاً‭ (‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نِسبتهم‭ ‬وذاك‭ ‬حديثٌ‭ ‬آخر‭ ‬ذو‭ ‬شُجون‭). ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬المغزى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬نفسك،‭ ‬حين‭ ‬تطرح‭ ‬مسألة،‭ ‬أمام‭ ‬حكومةٍ‭ ‬ومسؤولين‭ ‬لا‭ ‬يحركون‭ ‬ساكناً،‭ ‬ولا‭ ‬يشكلون‭ ‬لجنة‭ ‬للتحقيق،‭ ‬ولا‭ ‬يخصصون‭ ‬وقتاً‭ ‬للالتفات‭ ‬إلى‭ ‬قضية،‭ ‬ولا‭ ‬يُبدعون‭ ‬حلاًّ‭ ‬خاصاًّ،‭ ‬ويتخذون‭ ‬بالمقابل‭ ‬من‭ ‬التجاهل‭ ‬منهجاً‭ ‬مُمنهجاً‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬معظم‭ ‬المبادرات‮ ‬‭!‬؟

نعم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬بدأت،‭ ‬أخيرا،‭ ‬تتعامل‭ ‬بقليلٍ‭ ‬من‭ ‬الإيجابية‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬مقترحات‭ ‬القوانين،‭ ‬لكن‭ ‬بالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬المبادرات‭ ‬التشريعية‭ ‬الأقوى‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬وقعٌ‭ ‬وأثرٌ‭ ‬على‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬للناس‭ ‬لا‭ ‬تزالُ‭ ‬تخضع‭ ‬لكثيرٍ‭ ‬من‭ ‬التجاهل،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ “‬مقترح‭ ‬قانون‭ ‬تسقيف‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬المستفيدة‭ ‬من‭ ‬الدعم‭”‬،‭ ‬و‭”‬مقترح‭ ‬قانون‭ ‬منح‭ ‬إعانة‭ ‬مادية‭ ‬للشباب‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬الشغل‭”‬،‭ ‬و‭”‬مقترح‭ ‬القانون‭ ‬المتعلق‭ ‬بمصفاة‭ ‬لاسامير‭”‬،‭ ‬و‭”‬مقترح‭ ‬قانون‭ “‬المناطق‭ ‬الجبلية‭”‬،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬بالعشرات‭.‬

بالفعل،‭ ‬إن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬تواجه‭ ‬صعوباتٍ‭ ‬عبر‭ ‬كل‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يبتكر‭ ‬أسلوبا‭ ‬أفضل‭ (‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬أقل‭ ‬سوءًا‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬الديموقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العمومي‭). ‬

وفي‭ ‬بلادنا‭ ‬المغرب،‭ ‬لدينا‭ ‬دستور‭ ‬متقدم‭ ‬جدا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬دور‭ ‬السياسة‭ ‬والسياسيين،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬الأبعاد‭ ‬الديموقراطية‭. ‬ولنا‭ ‬إرادة‭ ‬ملكية‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬المسؤولية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمساءلة‭ ‬وفي‭ ‬جعل‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأخلاقيات‭ ‬وبالنجاعة‭ ‬والفعالية‭ ‬والإنصات‭ ‬لنبض‭ ‬المجتمع‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬الناس‭. ‬ولنا‭ ‬أيضاً‭ ‬تاريخٌ‭ ‬محترم‭ ‬من‭ ‬تقاليد‭ ‬الممارسة‭ ‬الحزبية‭ ‬والسياسية‭ ‬المستندة‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬التعددية‭.‬

لكن،‭ ‬ماذا‭ ‬ينقصنا‭!‬؟‭ ‬ولماذا‭ ‬صار‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يثقون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ “‬سياسي‭”!‬؟‮ ‬‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬ننجح‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬المنتخبة‭ ‬جذَّابة‭ ‬وفضاءً‭ ‬لإخراج‭ ‬الحلول‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمشاكل‭ ‬الناس‭!‬؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬نُفلح‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬مسارنا‭ ‬التنموي‭ ‬المتألق‭ ‬محصنا‭ ‬ومعززا‭ ‬بمسارٍ‭ ‬ديموقراطي‭ ‬يحتضنه‭ ‬الناس‭ ‬ويجدون‭ ‬فيه‭ ‬انعكاسا‭ ‬لانتظاراتهم‭ ‬وتطلعاتهم‭!‬؟‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬ننجح‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬طاقات‭ ‬ملايين‭ ‬الشباب‭ ‬والمثقفين‭ ‬والنساء‭ ‬وجعلهم‭ ‬مؤمنين‭ ‬بأن‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي‭ ‬له‭ ‬معنى‭ ‬ومغزى‭ ‬وجدوى،‭ ‬وبأن‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الديموقراطي‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬وليس‭ ‬حرفة‭ ‬وليس‭ ‬بِدعة‭!‬؟‭ ‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحارقة‭ ‬والمصيرية،‭ ‬هو‭ ‬جوابٌ‭ ‬على‭ ‬حاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬وطننا‭ ‬العزيز‭. ‬كما‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأجوبة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬نظرية‭ ‬أو‭ ‬مجرَّدة،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬وواقعية‭ ‬ومركَّبَة‭ ‬وتتطلب‭ ‬النَّفَسَ‭ ‬الطويل‭. ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬أجوبة‭ ‬مستحيلة،‭ ‬فطريق‭ ‬الألف‭ ‬ميل‭ ‬تبدأ‭ ‬بخطوةٍ‭ ‬واحدة‭.‬

والخطوات‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬التعاطي‭ ‬الجدي‭ ‬والمسؤول‭ ‬للحكومة‭ (‬أي‭ ‬حكومة‭) ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬والمبادرات‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬ممثلو‭ ‬الأمة‭. ‬وهي‭ ‬الشروعُ‭ ‬جماعيا،‭ ‬مؤسساتيا‭ ‬ومجتمعيا‭ ‬وإعلاميا،‭ ‬في‭ ‬تثمين‭ ‬المبادرات‭ ‬الصادقة‭ ‬والوجيهة،‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬نسلط‭ ‬فيه‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬الممارسات‭ ‬السلبية‭ ‬والسيئة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬السياسي‭. ‬ثم‭ ‬علينا،‭ ‬دولة‭ ‬ومجتمعاً‭ ‬وأحزابا،‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لنجعل‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬فضاءً‭ ‬لا‭ ‬يلجها‭ ‬سوى‭ ‬اللواتي،‭ ‬والذين‭ ‬يريدون‭ ‬خدمة‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭ ‬بأياد‭ ‬نظيفة،‭ ‬وبطريقة‭ ‬نزيهة‭ ‬ومستقيمة‭ ‬وكفؤة‭. ‬كما‭ ‬علينا‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬إعطاء‭ ‬مفهومٍ‭ ‬خاطئ‭ ‬عن‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التدبير‭ ‬السياسي‭ ‬والحكومي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬هنا‭ ‬تلك‭ ‬الكفاءة‭ ‬التقنية‭ ‬والتخصصية‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬درجاتها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تقتضي‭ ‬الكفاءة‭ ‬السياسية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬ومع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬البرلمان،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إبداع‭ ‬الحلول،‭ ‬والتحلي‭ ‬بالشجاعة‭ ‬السياسية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭.‬

هذه‭ ‬أولى‭ ‬الخطوات‭ ‬لاستعادة‭ ‬الثقة،‭ ‬واسترجاع‭ ‬المصداقية‭…. ‬ولتحرير‭ ‬الطاقات‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭.‬

عن احمد ازبدار

شاهد أيضاً

[remix-project] Error replaying transaction: (fix inside)

Error replaying transaction: #RC# Verify A stable connection to a reliable RPC endpoint is the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *