عبر القرون ظل المسجد العتيق بقرية الملاليين بحوز تطوان رمزا لتثبيت العقيدة، ومجالا جامعا بين العبادة والتأطير الاجتماعي والسياسي، تعلق بالذاكرة التاريخية للمنطقة منذ أواخر عهد السعديين، وأعيد ترميمه في زمن المولى إسماعيل خلال حملته الشهيرة لتثبيت سلطته، حيث ارتبط اسمه بمقاومة المد الصليبي في مواجهة الإسبان والبرتغال، وظل بأحباسه الوفيرة سندا للمجتمع وقيمه.
منذ ذلك الزمن البعيد اقترن المسجد بأوقاف سخية خصصت لإحياء ليلة القدر المباركة، التي كانت مناسبة لتوزيع الخبز الأبيض على الساكنة في طقس رمزي يعكس التكافل، وتنتهي بالدعاء لأمير المؤمنين وتجديد البيعة تعبيرا عن متانة العلاقة بين العرش والشعب، ومناسبة تجمع بين الدين والدولة في تقليد أصيل يختزن عمق التجربة المغربية.
غير أن هذه الرسالة التاريخية والروحية تعرضت مؤخرا لضربة قاضية انهت قرون من الارتباط بين المسجد والمجتمع ، بعد أن أصبحت أراضي ليلة القدر التابعة لمسجد الملاليين موضوعا لعقود شراكة غامضة ابرمتها نظارة الأوقاف لتطوان في غياب الشفافية والوضوح، استفادت منها شركة واحدة باسم الاستثمار والتنمية.
وقد تبين أن هذه العقود لم تنتج أي مشروع تنموي فعلي، بل تحولت إلى ذريعة لتفويت أراضي الوقف. والأسوأ من ذلك، أن ناظر الأوقاف، في سعيه لتسهيل العملية على الشركة، عمل لمدة سنتين متتاليتين، على حرمان مقدم المسجد من استخلاص كراء الأراضي ،ما أدى إلى تجفيف مورد أساسي كان يؤطر المجتمع المحلي ويصون قيمه.
من بين نماذج هذه “الشراكات” التي شملت احباس ليلة القدر قطعة أرضية علقت بها لافتة تشير إلى تجزئة سكنية، لكن الواقع لم يتجاوز حدود تسطير الأرض بالجير، وعرضها للبيع، كما يحدث في السكن العشوائي، وبذلك تحولت أملاك المسجد إلى مشروع وهمي لا يستفيد منه أحد، بل صار ذريعة لتضارب المصالح واستباحة الأوقاف باسم التنمية والإستثمار.
ساكنة المنطقة ليست ضد المشروع ،لكنها ضد استغلال النفوذ والاغتناء غير المشروع على حساب القيم الدينية والتاريخية، فالمسجد وأحباسه ليست مجرد عقار يدر أرباحا، بل ذاكرة حية وهوية روحية، وخط الدفاع الأول عن القيم الأصيلة للمجتمع.
إن ما يقع اليوم في الملاليين يزيد من الاحتقان الاجتماعي ويهدد الاستقرار الرمزي الذي مثله المسجد وأحباسه لقرون، ولهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الأجهزة المحلية والجهات المختصة بمنح التراخيص والإذن بالتفويت لفتح تحقيق شفاف ونزيه في هذا الملف الشائك وفي مدى سلامة هذه الصفقات ومدى جدوى هذه المشاريع وجديتها في تحقيق المصلحة العامة المحلية والجهوية في ظل الأوراش الملكية الكبرى ، وحماية لحرمة الوقف وقيمه وصونا لكرامة المجتمع وحقه في التنمية الحقيقية، لا في شعارات تبرر الإثراء غير المشروع على حساب قيم الأمة ومقدساتها لفائدة زمرة من المضاربين والإنتهازيين الذي يجمعهم المال والسلطة.
Post 24 جريدة الكترونية