الأربعاء , أبريل 15 2026
أخبار عاجلة

إسبانيا تبدأ تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر.. وسانشيز: بفضلهم أصبح اقتصادنا الأكثر نموا بأوروبا

شرعت الحكومة الإسبانية، اليوم الثلاثاء، في تنفيذ عملية تسوية استثنائية لأوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي، في واحدة من أوسع عمليات الإدماج القانوني التي تعرفها البلاد منذ عقود، وسط رهان حكومي على تحويل هذا الملف من مصدر توتر اجتماعي وسياسي إلى رافعة للنمو الاقتصادي.

ولم يتردد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في الربط بين هذا القرار والأداء الاقتصادي لبلاده، مؤكدا أنه بفضل المهاجرين “أصبح اقتصادنا من بين الأكثر نموا في أوروبا”، في إشارة إلى مساهمة المهاجرين في دعم سوق العمل الإسباني وسد الخصاص في قطاعات حيوية، رغم الجدل السياسي الحاد الذي يرافق هذا التوجه داخل الأوساط الحزبية والرأي العام.

وفي كلمة موجهة إلى الشعب الإسباني، عبر سانشيز، عن “فخره بكونه إسبانيًا”، مؤكدا أن هذا القرار يعكس قدرة المجتمع الإسباني على التقدم عندما “ينخرط مجتمعها ويشارك”، في إشارة إلى الدور الذي لعبته مئات المنظمات والمجتمع المدني في الدفع نحو اعتماد هذه التسوية.

وقال في هذا الصدد: ‘إذا وصلنا إلى هنا، فذلك بفضل مئات المنظمات وأكثر من 600 ألف شخص عملوا بلا كلل لسنوات من أجل إيصال هذه المبادرة إلى البرلمان عبر مبادرة تشريعية شعبية حققت أمرا نادرا في زمن الاستقطاب: القدرة على التوحيد. وقد حظيت بدعم الكنيسة، والنقابات، وأرباب العمل، ومجتمع مدني يشترك في هدف واضح: تحسين حياة جيرانه، وبالتالي جعل إسبانيا بلدا أفضل”.

وشدد سانشيز على أن هذا الإجراء يمثل قبل كل شيء “فعل تطبيع”، موضحا أنه يقوم على “الاعتراف بواقع يقارب نصف مليون شخص أصبحوا بالفعل جزءا من حياتنا اليومية”، يعملون في قطاعات حيوية مثل الرعاية والخدمات والزراعة، ويساهمون بشكل مباشر في استمرارية الاقتصاد الإسباني.

وأوضح أن المهاجرين هم “أشخاص يعتنون بكبارنا، يعملون لتصل المواد الغذائية إلى موائدنا، يبتكرون، يؤسسون المشاريع، وأبناؤهم يتشاركون معنا الفصول الدراسية واللعب والمستقبل. إنهم أشخاص يبنون إسبانيا الغنية، المنفتحة والمتنوعة التي نحن عليها، والتي نطمح أن نكونها”.

وأضاف رئيس الحكومة الإسبانية أن التسوية تحمل أيضا بعدا تاريخيا وإنسانيا، باعتبارها “فعل عدالة مع تاريخنا”، مذكرا بأن الإسبان أنفسهم كانوا مهاجرين نحو أوروبا وأمريكا، حيث ساهموا في بناء المجتمعات التي استقبلتهم، وعادوا بخبرات ساهمت في تحديث بلادهم.

وفي الجانب الاقتصادي، أكد سانشيز أن هذا القرار ليس فقط خطوة اجتماعية، بل ضرورة مرتبطة بتحديات بنيوية، قائلا إن “إسبانيا، مثل باقي الدول الأوروبية، تشيخ”، وإن إدماج المهاجرين في سوق العمل النظامي أصبح شرطا أساسيا للحفاظ على النمو وضمان استمرارية الخدمات العمومية، من صحة وتعليم ومعاشات.

يقول في هذا الإطار: “لا ينبغي أن نخدع أنفسنا، هذه التسوية ليست مجرد عمل لتحقيق العدالة، بل هي أيضا ضرورة، فإسبانيا، مثل باقي الدول الأوروبية، تشيخ. ومن دون أشخاص جدد يعملون ويساهمون، تتباطأ ازدهاريتنا، وتضعف قدرتنا على الابتكار، وتعاني خدماتنا العامة مثل الصحة، والمعاشات، والتعليم”.

وأبرز رئيس الحكومة الإسبانية أنه بفضل دينامية المهاجرين، أيضا، أصبح “الاقتصاد الإسباني اليوم من بين الأكثر نموا في أوروبا، ومن بين الأكثر خلقا لفرص الشغل”، مشيرا إلى أن دينامية المهاجرين لعبت دورا محوريا في هذا الأداء الاقتصادي، سواء بالنسبة للقادمين من الخارج أو للمواطنين الإسبان.

وشدد على أنه “لا التكنولوجيا وحدها ستحل تحديات السنوات القادمة”، معتبرا أن “الطريق واضح: تحسين الإدماج، وتنظيمه بشكل أفضل، والاستفادة من كامل طاقات من يعيشون بيننا بالفعل”، مشيرا إلى أن “هذا هو المعنى الحقيقي لهذه التسوية، وهو الاعتراف بالحقوق، وأيضا فرض الواجبات”.

ويرى سانشيز أن إسبانيا اختارت نهج الإدماج بدل الإقصاء، قائلا إن بلاده أمام خيارين: “زرع الخوف ومواجهة الناس ببعضهم، والحكم على الآلاف بالإقصاء، أو تدبير الهجرة بمسؤولية وتحويلها إلى ازدهار مشترك”، مضيفا أن التجربة الإسبانية اختارت دائما الطريق الثاني.

وكانت الحكومة الإسبانية قد أقرت، قبل أسابيع، مرسوما ملكيا لتسوية جماعية لأوضاع نحو نصف مليون مهاجر يقيمون في البلاد بصفة غير قانونية، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها “يوم تاريخي” في سياسة الهجرة الإسبانية، وذلك بعد أن تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة وحزب بوديموس عقب أشهر من المفاوضات.

ويندرج هذا القرار، الذي صادق عليه مجلس الوزراء بمرسوم لا يحتاج إلى مصادقة البرلمان، في إطار إعادة هيكلة سياسة الهجرة نحو نموذج أكثر احتراما لحقوق الإنسان والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وسط جدل سياسي واسع بين مؤيديه ومنتقديه داخل البلاد، حيث تُعد الخطوة أكبر تسوية لأوضاع المهاجرين السريين منذ عقود.

ويسمح هذا المرسوم للمهاجرين الذين يستوفون الشروط بتقديم طلباتهم حتى 30 يونيو المقبل، مع منحهم تصاريح إقامة وعمل مؤقتة لمدة سنة قابلة للتجديد، فور تقديم الطلب، مع تعليق أوامر الترحيل وإيقاف أي إجراءات إدارية ضد مقدم الطلب فور اعتماد ملفه.

وجاء هذا القرار بعد سنوات من الضغط الشعبي والحركة الجماهيرية التي هتفت في الشوارع وراكمت أكثر من 600 ألف توقيع ومشاركة 900 هيئة ضمن مبادرة تشريعية شعبية تحت شعار: “التسوية الآن”.

تفاصيل عملية التسوية

وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، إلما سايز، كانت قد أوضحت أن عملية استقبال طلبات التسوية ستمتد من شهر أبريل الجاري وحتى 30 يونيو 2026، وذلك في كل مهاجر يثبت إقامته في إسبانيا قبل 31 دجنبر 2025، سواء بوثائق رسمية أو عبر إثباتات بديلة.

ويشترط المرسوم الإقامة الفعلية لمدة لا تقل عن خمسة أشهر متواصلة داخل التراب الإسباني قبل نهاية العام الماضي، مع عدم وجود سجل جنائي خطير داخل إسبانيا، حيث ستكون طلبات اللجوء المقدمة قبل نهاية عام 2025 مشمولة أيضا بهذه التسوية الاستثنائية، مما يوسع نطاق المستفيدين المحتملين.

وبخصوص الوثائق المقبولة لإثبات الإقامة، يشير المرسوم إلى أن إثبات الإقامة التي تمتد خمسة أشهر يمكن تقديمه بعدة طرق، منها شهادة التسجيل في السجل السكاني (Empadronamiento)، أو عقود الإيجار أو فواتير الخدمات، او إثبات حضور مواعيد طبية أو إيداعات مالي، وذلك كدليل على المكوث في البلاد خلال الفترة المطلوبة.

وبمجرد تقديم الطلب وقبوله مبدئيا، سيمنح المهاجر تصريح إقامة مؤقتة لمدة سنة قابلة للتجديد، وتصريح عمل قانوني في أي قطاع وفي أي مكان داخل إسبانيا من أول يوم فيها، مع منحه حق الاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي والصحة العامة الإسبانية، إلى جانب تعليق أي إجراءات ترحيل أو أوامر إدارية ضده طوال فترة معالجة الطلب، كما سيتم تطبيق نفس الشروط على الأطفال المعالين المقيمين في البلاد مع ذويهم.

وأوضحت حكومة بيدرو سانشيز أن الهدف من هذا الإجراء ليس فقط تسوية أوضاع من يعيشون في الظل القانوني، بل أيضا دعم الاقتصاد الوطني عبر إدماج اليد العاملة في سوق العمل النظامي، وتحسين المنظومة الاجتماعية، في ظل نقص يد عاملة في قطاعات مثل الزراعة والخدمات.

لكن هذا القرار أثار انتقادات من أحزاب يمينية ووسطية ترى أنه قد يشجع الهجرة غير المنظمة في المستقبل أو يضغط على الخدمات العامة، فيما اعتبره نشطاء حقوقيون ومنظمات مجتمع مدني بمثابة خطوة إنسانية ضرورية لإنصاف المهاجرين الذين يعيلون أسرا ويعيشون ظروفا هشة.

ويأتي هذا القرار اللافت في وقت تتجه فيه عدة دول أوروبية إلى سياسات هجرة أكثر تشددا، مما يجعل الخطوة الإسبانية نموذجا استثنائيا في القارة، خصوصا مع استمرار النقاشات حول تأثيرات الهجرة على الاقتصاد والسكان.

ووفق أرقام وزارة الداخلية الإسبانية، فقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين الذين دخلوا إسبانيا خلال السنة المنصرمة 2025 نحو 37 ألف شخص، بتراجع كبير بلغ ناقص 42.6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

وتشكل هذه الخطوة المرتقب خبرا سارا للمهاجرين المغاربة غير النظاميين في إسبانيا، إذ يمثلون واحدة من أكبر الجنسيات الأجنبية المقيمة في البلاد بطريقة غير شرعية، وفق أرقام وبيانات هيئات حقوقية إسبانية.

ويعني هذا القرار أن المهاجرين المغاربة الذين استوفوا الشروط سيكون بإمكانهم الحصول على وضع قانوني مؤقت، مما يفتح أمامهم فرص العمل الرسمي والحصول على الخدمات الاجتماعية، والتخلي عن الخوف من الترحيل، وهي خطوة كبيرة نحو الإدماج القانوني والاجتماعي بعد سنوات من الإقامة في الظل.

عن احمد ازبدار

شاهد أيضاً

تقرير رسمي: 84% من الرجال المغاربة يرفضون الزواج من المطلقات

أماط البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، اللثام عن معطيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *