احتضنت كلية العلوم بتطوان، يوم السبت 27 دجنبر 2025، مناقشة أطروحة دكتوراه في تخصص كيمياء المياه والبيئة، تحت إشراف الدكتور المقتدر أنس اللغداش، أنجزتها الباحثة يسرى التايدي، شكلت محطة علمية متميزة أضاءت على إسهام أكاديمي نوعي يعزز رصيد الكلية في معالجة القضايا البيئية ذات الصلة بالواقع المحلي والوطني.
وتندرج هذه الأطروحة في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد التحديات المرتبطة بالمياه، باعتبارها من أهم القضايا التي تواجه القرن الحادي والعشرين. فندرة الموارد المائية وتدهورها وتلوثها تشكل اليوم تهديدا حقيقيا للتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي بالمغرب، خاصة في ظل آثار التغيرات المناخية، والضغط الديمغرافي، وارتفاع حاجيات القطاعات الحيوية وعلى رأسها القطاع الفلاحي، الذي يُعد في الآن نفسه أكبر مستهلك للمياه وأكثر القطاعات تضررًا من ندرتها وتلوثها.
وفي هذا الإطار، سلطت الباحثة الضوء على موضوع بالغ الأهمية يتعلق بتقييم جودة المياه السطحية ومستوى تلوثها بالمبيدات الحشرية في حوض وادي مرتيل، أكبر حوض مائي بشمال غرب المغرب. ويكتسي هذا البحث أهمية خاصة كونه أول دراسة علمية من نوعها تنجز في هذه المنطقة، مما يسد فراغا كبيرا في المعطيات العلمية المرتبطة بتلوث المياه السطحية، ويستجيب لحاجة ملحة فرضها تلاقي ندرة المياه مع تدهور النظم البيئية المائية بسبب التلوث.
واعتمدت الدراسة على أخذ عينات مائية من أربعة مواقع مختلفة خلال حملتين ميدانيتين، خضعت لتحليلات دقيقة شملت ستة مؤشرات فيزيائية–كيميائية، وستة عشر نوعا من بقايا المبيدات الحشرية. وقد أنجزت هذه التحليلات باستخدام أحدث التقنيات المخبرية، ولا سيما الكروماتوغرافيا الغازية والسائلة المقترنة بالطيف الكتلي الترادفي (LC-MS/MS) و(GC-MS/MS) ما أضفى على النتائج مصداقية علمية عالية.
وأظهرت نتائج البحث أن جميع المبيدات الحشرية التي جرى تحليلها كانت دون الحد الأدنى القابل للقياس، في حين سجلت المياه السطحية جودة فيزيائية وكيميائية جيدة بشكل عام. وهي نتائج مشجعة، تشكل مرجعا علميا مهما لبرامج الرصد البيئي المستقبلية، وتساهم في فهم أفضل لسلوك المبيدات ودينامية جودة المياه داخل الأحواض المائية المغربية.
ويكتسب هذا الإنجاز العلمي قيمته أيضا من كونه ينسجم مع الإشكاليات الوطنية المرتبطة بتلوث المياه، خاصة في ظل الاستعمال الواسع للمواد الزراعية. فالمغرب يستخدم أكثر من 1180 منتجا من منتجات الصحة النباتية، قائمة على نحو 320 مادة فعالة، كثير منها قد يشكل خطرا على صحة الإنسان والبيئة، ولا يقتصر تأثيره على الآفات المستهدفة فقط.
وتؤكد هذه الأطروحة، في بعدها العلمي والتطبيقي، على الحاجة الملحة إلى إدارة متكاملة ومستدامة للموارد المائية، تقوم على الرصد العلمي الدقيق، ووضع سياسات مائية حكيمة ترمي إلى حماية المياه السطحية والجوفية من التلوث الكيميائي، وضمان استدامتها لفائدة الأجيال الحالية والمستقبلية.
وبهذا العمل، تكرس كلية العلوم بتطوان دورها كمؤسسة أكاديمية فاعلة في خدمة قضايا التنمية المستدامة، وتبرهن مرة أخرى على قدرة البحث العلمي الجامعي على تقديم أجوبة علمية رصينة لتحديات بيئية حقيقية تمس المجتمع والبيئة على حد سواء.
وفي ختام هذا الحدث العلمي المتميز، ومن هذا المنبر، نهنئ الطالبة المجدة يسرى التايدي على هذا العمل العلمي الرصين، كما نُشيد بالدور العلمي والتأطيري الذي اضطلع به الدكتور أنس اللغداش، والذي كان له الأثر البالغ في إنجاز هذا البحث وفق أعلى المعايير الأكاديمية.
ونتمنى للباحثة مسارا علميا ومهنيا موفقا، ومزيدا من التألق والعطاء في خدمة العلم والبيئة والتنمية المستدامة.
Post 24 جريدة الكترونية