في أجواء احتفالية باليوم العالمي للمسرح، احتضن المركز الثقافي بمدينة تطوان، مساء الثلاثاء 20 ماي 2026، العرض المسرحي “ترحال” لفرقة مسرح الأفق، في عمل ركحي حمل توقيع المخرج طارق الشاط، واستلهم رؤيته الفنية من نص “هوامش ذاكرة” للكاتب عزيز قنجاع، مقدماً تجربة مسرحية غاصت في أسئلة الذاكرة والهوية والقلق الإنساني برؤية جمالية حديثة وبطاقات شبابية واعدة.
واختار العرض الابتعاد عن البناء المسرحي التقليدي، معتمداً لغة درامية نفسية تتداخل فيها الأزمنة وتتشابك خلالها الذكريات مع الهواجس والأسئلة الوجودية، حيث بدت الشخصيات وكأنها تخوض رحلة مستمرة بين الواقع والوهم، وبين الحاضر المثقل بظلال الماضي.
واعتمدت المسرحية على تقنية الاسترجاع والتداعي في تشييد أحداثها، ما منح العمل بعداً تأملياً ونفسياً واضحاً، خاصة عبر شخصية “سوسو” التي ظهرت في أكثر من تجلٍّ، معبرة عن تشظي الذات واضطراب الهوية، في حين جسدت شخصية “مسعود/سعيد” صورة الإنسان الباحث عن المعنى وسط عالم يسوده القلق والتيه.
وشكل الفنان عبد السلام الصحراوي إحدى أبرز محطات العرض من خلال أدائه لشخصية “الفقيه”، التي حملت أبعاداً رمزية وإنسانية عميقة، جمعت بين الحكمة الشعبية والانكسار الداخلي، في تعبير عن صراع الإنسان مع ذاكرته وأسئلته الوجودية.
وعلى المستوى الجمالي، مزجت المسرحية بين ملامح المسرح العبثي وبعض عناصر المسرح الاحتفالي المغربي، حيث حضرت السخرية جنباً إلى جنب مع الألم، وتقاطعت لحظات الفرجة مع الإحساس بالعزلة والقلق الإنساني.
كما لعبت الموسيقى الحية والغناء المباشر دوراً محورياً في تشكيل الإيقاع النفسي للعرض، إذ تحولت الموسيقى إلى امتداد داخلي لمشاعر الشخصيات وتحولاتها، مانحة المشاهد بعداً حسياً وشعورياً إضافياً.
وتميز الأداء التمثيلي بكثافة انفعالية واضحة، وحضور قوي للتعبير الجسدي والنفسي، خاصة من خلال أداء فاطمة الزهراء الصغير ومحمد العنصري، إلى جانب الحضور اللافت لعبد السلام الصحراوي الذي أضفى على العمل بعداً رمزياً عميقاً.
أما السينوغرافيا، القائمة على الفراغ والإضاءة الرمزية، فقد ساهمت في تكريس الإحساس بالتيه والانكسار، وتحولت الخشبة إلى فضاء مفتوح بين الحلم والذاكرة والأسئلة الوجودية.
ويؤكد عرض “ترحال” استمرار فرقة مسرح الأفق في تقديم أعمال فنية وفكرية تراهن على العمق الإنساني والجمالي، وتفتح أمام الجمهور تجربة مسرحية تتجاوز حدود الفرجة نحو التأمل والتفكير في علاقة الإنسان بذاكرته ووجوده، في خطوة تعكس حضور الطاقات الشابة في المشهد المسرحي بمدينة تطوان.
Post 24 جريدة الكترونية