تطرح تداعيات الفيضانات التي ضربت عدداً من مناطق إقليم شفشاون أسئلة جديدة، لا ترتبط فقط بحجم الخسائر المادية التي خلفتها الكارثة، أو بمدى استجابة الجهات المعنية لمطالب الأسر المتضررة، وإنما أيضاً بمآل المبادرات المدنية التي تشكلت للدفاع عن حقوق المنكوبين، وسط اتهامات بوجود محاولة لاستثمار هذا الملف الإنساني في حسابات انتخابية.
وكانت تنسيقية مدنية قد برزت عقب الفيضانات، مقدمة نفسها باعتبارها إطاراً للدفاع عن الأسر المتضررة والمطالبة بإنصافها وجبر الأضرار التي لحقت بها، مع التأكيد منذ البداية على استقلاليتها عن الأحزاب السياسية وعدم تحويل معاناة السكان إلى ورقة في أي صراع انتخابي.
غير أن هذا الخطاب، وفق مصادر من داخل التنسيقية، بدأ يواجه تساؤلات بعد ما اعتبرته المصادر تحولاً في موقف منسق الإطار المدني، بعدما دخلت تحركاته، بحسب روايتها، في مسار سياسي لم يكن مطروحاً عند تأسيس التنسيقية.
وتقول المصادر ذاتها إن المنسق سبق أن أكد أمام أعضاء التنسيقية ضرورة الحفاظ على استقلاليتها، كما شدد على عدم توظيفها لخدمة أي طموح انتخابي، وهي تعهدات تقول المصادر إن بعض أعضاء التنسيقية يحتفظون بتسجيلات صوتية وتصريحات بشأنها.
لكن المعطيات، بحسب الرواية نفسها، أخذت منحى مغايراً عقب لقاء جمع المنسق بأحد قياديي حزب التقدم والاشتراكية، حيث تم، وفق المصادر، بحث إمكانية الحصول على تزكية للترشح للانتخابات البرلمانية المقبلة.
هذه الخطوة أثارت استياء عدد من أعضاء التنسيقية، الذين رأوا فيها تناقضاً بين الخطاب الذي رافق تأسيس الإطار المدني وبين التحركات السياسية اللاحقة لمنسقه، خصوصاً أن الأمر يتعلق بملف اجتماعي شديد الحساسية، ارتبط بمعاناة أسر فقدت مساكن وممتلكات أو تضررت بشكل كبير جراء الفيضانات.
ويرى منتقدو هذا المسار أن الإشكال لا يكمن في ممارسة السياسة أو الترشح للانتخابات، باعتبارهما حقين مكفولين قانوناً، وإنما في احتمال انتقال قضية إنسانية من فضاء المطالبة بحقوق المتضررين إلى مجال توظيفها في بناء رصيد انتخابي.
في المقابل، تظل هذه المعطيات، المنسوبة إلى مصادر من داخل التنسيقية، بحاجة إلى توضيحات من المعني بالأمر، خصوصاً بشأن حقيقة اللقاء السياسي، وطبيعة ما جرى بحثه خلاله، وما إذا كان هناك فعلاً طلب للحصول على تزكية برلمانية، فضلاً عن موقفه من الاتهامات الموجهة إليه.
وبينما تستمر الأسر المتضررة في انتظار حلول ملموسة لجبر الخسائر ومعالجة آثار الفيضانات، يبرز سؤال أوسع في الساحة المحلية: هل تظل المبادرات المدنية وفية للهدف الذي تأسست من أجله، أم يمكن أن تتحول، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إلى منصات للعبور نحو المؤسسات المنتخبة؟
فالعمل المدني والسياسي مجالان مشروعان، لكن الفاصل بينهما يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بضحايا كارثة طبيعية، يفترض أن تكون الأولوية في قضيتهم للإنصاف وجبر الضرر، لا لتحويل معاناتهم إلى رصيد سياسي.
وفي نهاية المطاف، تبقى الشفافية وحدها كفيلة بحسم الجدل، من خلال كشف حقيقة ما جرى، وتوضيح طبيعة العلاقة بين التنسيقية وأي تحرك حزبي، حتى لا تتحول الثقة التي وضعها المتضررون في هذا الإطار المدني إلى مصدر جديد للشك والجدل.
Post 24 جريدة الكترونية