بوست 24 : عادل ازرفان
منذ أزمة مدينة سبتة المحتلة في ماي 2021، ظل ملف الأطفال المغاربة غير المصحوبين عالقاً بين خطابين متعارضين: خطاب إسباني يصنفهم ضمن الهجرة غير النظامية، وخطاب مغربي يطالب بعودتهم دون أن يجد دوماً الإطار القانوني الملائم لفرض هذا المطلب، واليوم بعد التعثر الذي آل إليه تطبيق الاتفاقية الثنائية المغربية-الإسبانية للتعاون في مجال الوقاية من الهجرة غير الشرعية للقاصرين غير المصحوبين المؤرخة في 6 مارس 2007، يتزايد النقاش حول مدى إمكانية نقل الملف من منطق “الأمن والهجرة” إلى منطق “الحماية القانونية والتعاون القضائي الدولي” عبر آلية اتفاقية لاهاي المؤرخة في 19 أكتوبر 1996، بشأن الاختصاص والقانون الواجب التطبيق والاعتراف والتنفيذ والتعاون في مجال المسؤولية الأبوية وتدابير حماية الأطفال.
فقد أفضت المقاربة الأمنية التي اعتمدتها السلطات الإسبانية في التعاطي مع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين، في أعقاب أحداث سبتة عام 2021، إلى تحويل القضية من مجرد تدبير إداري قابل للتنفيذ، تؤطره الاتفاقية الثنائية المغربية الإسبانية لسنة 2007، إلى مأزق قانوني وحقوقي، تجسد من خلال سلسلة من الأحكام والقرارات القضائية، كان آخرها القرار الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية -الغرفة الإدارية- بتاريخ 22 يناير 2024، الذي قضى برفض طلب النقض الذي تقدمت به الحكومة المحلية لسبتة ضد قرار المحكمة العليا لإقليم الأندلس الصادر في 23 يونيو 2022، إثر الدعوى التي رفعتها جمعية إسبانية نيابة عن ثمانية قاصرين مغاربة، حيث خلصت المحكمة العليا في قرارها إلى أن عملية الإعادة الجماعية للقاصرين من سبتة إلى المغرب التي نفذتها السلطات الإسبانية، كانت غير قانونية، لعدم التزامها بالضمانات والإجراءات الفردية المنصوص عليها في المادة 35 من قانون الأجانب رقم 4/2000، ولا سيما فتح ملف مستقل لكل قاصر، والاستماع إليه، وتقييم وضعيته، وتدخل النيابة العامة. كما استبعدت المحكمة صراحة الاتفاقية الثنائية المغربية الإسبانية، لافتقارها إلى الضمانات الإجرائية الكفيلة بحماية الحقوق الأساسية.
ولم يتوقف هذا المأزق عند حدود الإلغاء الإداري، بل أخذ أبعاداً زجرية في مواجهة بعض المسؤولين الإسبان، مما أفضى إلى شلل تام لدى الإدارة الإسبانية تجاه أي قرار للإعادة. حيث أدانت المحكمة الإقليمية لقادس (الدائرة السادسة)، في قرارها الصادر بتاريخ 20 يوليوز 2023، كلا من مندوبة الحكومة الإسبانية السابقة بالمدينة والنائبة الأولى السابقة لرئيسة الحكومة المحلية بسبتة، بتهمة الانحراف أو الشطط في استعمال السلطة الإدارية، وقضت بحرمان كل واحدة منهن لمدة تسع سنوات من تولي المناصب العامة ومن ممارسة حق الترشح للانتخابات.
صحيح أن الموقف المعلن للقضاء الإسباني مشبع بالزخم الحقوقي والانسجام مع المعايير الدولية والأوروبية لحماية الطفولة، غير أن الممارسة المؤسسية الإسبانية على أرض الواقع بعيدة كل البعد عن هذا الانسجام وعاجزة، في الوقت الراهن، عن تحويل مضامين هذه الأحكام إلى حماية فعلية.
وتكشف هذه الفجوة عن سعي السلطات الإسبانية إلى تخفيض التكلفة الحقوقية والسياسية عبر الاحتماء خلف صرامة القضاء، وتصدير الأزمة إلى المغرب كطرف مطالب بالحل، وفي نفس الوقت تخفيض التكلفة المالية عبر الضغط على الشركاء الأوروبيين لتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لإدارة الأزمة، ناهيك عن الرهان الديموغرافي والاقتصادي المضمر للجانب الإسباني، حيث تشكل هذه الفئة من الأطفال استثماراً بشرياً طويل الأمد. هذا كله حول مراكز الإيواء بسبتة إلى أماكن تكرس احتجازاً مقنعاً للقاصرين، وجعل من مبدأ المصلحة الفضلى للطفل حالة حرمان دائم من الاستقرار الأسري والاجتماعي.
أمام هذا المأزق المزدوج، المتمثل في فشل الاتفاقية الثنائية وشلل الإدارة الإسبانية في تدبير مسألة إعادة الأطفال المغاربة الموجودين في سبتة، تطرح اتفاقية لاهاي لعام 1996 بشأن حماية الأطفال مساراً قانونياً بديلاً، يقوم على نقل الملف من ساحة الهجرة والأمن، إلى ساحة الحماية القانونية والتعاون الدولي، عبر نظام التعاون بين السلطات المركزية للدول الأطراف، وقنوات التواصل بين محاكمها، وآليات التتبع والمواكبة والمراجعة من خلال أجهزة مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص، ولا سيما المكتب الدائم واللجنة الخاصة المعنية بتطبيقها. فهذه الاتفاقية تنطبق أحكامها على جميع الأطفال دون تمييز، منذ الولادة وإلى غاية بلوغ سن الثامنة عشرة، أياً كان وضعهم القانوني أو الاجتماعي، بما في ذلك الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلون عن ذويهم. وقد أكد الدليل الإرشادي الصادر عن المكتب الدائم لمؤتمر لاهاي لسنة 2024، تحت عنوان “تطبيق اتفاقية لاهاي لحماية الأطفال لعام 1996 على الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم”، انطباق الاتفاقية على هذه الفئة من الأطفال. وبذلك، فإن مجرد عبور الطفل المغربي الحدود نحو سبتة، ولو بصورة غير نظامية، لا يخرجه من نطاق الحماية التي توفرها الاتفاقية، بصرف النظر عن كيفية دخوله إلى الإقليم أو عن وضعه من منظور قانون الهجرة.
ولا تعني هذه الاتفاقية إقرار عودة جماعية أو تلقائية للأطفال غير المصحوبين إلى المغرب، وإنما تفرض بدورها مجموعة من المعايير تراعي تقييم وضعية كل قاصر على حدة، وتقدير مصلحته الفضلى وسلامته وظروف استقباله ومتابعته في حال العودة. ويمكن، متى ثبت أن المغرب هو البيئة الأنسب لحمايته، تنظيم نقل الاختصاص إليه عبر القنوات القضائية والمؤسساتية التي تتيحها الاتفاقية، بما يضمن استمرارية الرعاية بعد العودة، وليس مجرد التسليم الإداري على الحدود.
هذه المعايير وإن كانت ترفع سقف الالتزامات والنفقات على الدول المتعاقدة، فإنها في المقابل تفتح الباب للمغرب للاستفادة من الدعم المالي الأوروبي الحقيقي، لبناء وتمويل دور الرعاية والتأهيل وإعادة الإدماج الأسري والمدرسي والمهني، باعتبار أن الاتحاد الأوروبي المعني الأول بإنجاح هذا المسار التعاوني، وبذلك تتحول هذه المعايير من عبء إضافي إلى رافعة لتطوير منظومة حماية الأطفال داخل المغرب.
ويكتسب هذا المقترح أهمية إضافية بالنظر إلى التجربة الفرنسية التي وظفت اتفاقية لاهاي 1996 في تأطير التكفل بالأطفال المغاربة غير المصحوبين وإعادتهم، عبر دورية وزير العدل الفرنسي المؤرخة في 8 فبراير 2021، التي تضمنت مخططاً مسطرياً يتيح التعاون المباشر بين قضاة الاتصال ونقل الاختصاص القضائي إلى المحاكم المغربية، وهي تجربة تظهر أن اعتماد اتفاقية لاهاي ليست مجرد فرضية نظرية، بل مسار مجرب سبق لدولة أوروبية أخرى أن سلكته لتجاوز نفس المأزق الذي يواجه الملف المغربي الإسباني اليوم.
وخلاصة القول، فإن تحويل ملف الأطفال المغاربة العالقين بسبتة من ورقة ضغط ومناورة بيد السلطات الإسبانية، إلى مسار قانوني دولي محكم، تؤطره اتفاقية لاهاي لعام 1996، قد يكون المدخل الحقيقي لكسر الجمود القائم، وبناء منظومة مغربية للاستقبال وإعادة الإدماج تكون في مستوى المعايير الدولية وقادرة على تحويل التزامات الحماية إلى فرصة تنموية مستدامة.
Post 24 جريدة الكترونية