الأحد , سبتمبر 6 2026
أخبار عاجلة

نزار بركة وحزب الاستقلال.. القوة الهادئة في مواجهة الضجيج السياسي

بوست 24 : رفيق بلقرشي

في السياسة، كما في الحياة، ليس كل ما يعلو صوته أكثر حضوراً، ولا كل ما يملأ الفضاء ضجيجاً أكثر تأثيراً. ثمة قوة أخرى أكثر هدوءاً، لا تحتاج إلى الصراخ كي تثبت وجودها، ولا إلى الخصومة كي تصنع لنفسها موقعاً. إنها قوة الفكرة حين تستند إلى مشروع، وقوة الخطاب حين تحكمه المسؤولية، وقوة السياسي حين يعرف أن الزمن السياسي لا يُقاس بعدد التصريحات، وإنما بقدرته على قراءة التحولات وصياغة الإجابات.

من هذه الزاوية يمكن قراءة الحضور السياسي لحزب الاستقلال، وطريقة تدبير أمينه العام نزار بركة للمرحلة، بعيداً عن ضجيج الحسابات السياسوية الظرفية. فالرصانة التي تميز الخطاب الاستقلالي اليوم ليست مجرد خيار في الأسلوب، بل تعبير عن تصور للسياسة باعتبارها مسؤولية وطنية، وعن اقتناع بأن المغرب الذي يدخل مرحلة جديدة من التحولات الكبرى يحتاج إلى لغة هادئة بقدر حاجته إلى قرارات شجاعة.

ولعل أكثر ما يكشف هذا الاختلاف طبيعة البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، القائم على خمسة التزامات واضحة، بدل الاسترسال في قائمة طويلة من الوعود أو مطاردة كل موجة عابرة في النقاش العمومي. فحين تُختزل الرؤية في التزامات قابلة للفهم والمساءلة، يصبح البرنامج عقداً سياسياً أكثر منه منشوراً انتخابياً.

وهنا تكمن قيمة الاختيار: الانتقال من سياسة الشعارات إلى سياسة الأولويات، ومن استعراض المواقف إلى بناء المواقف، ومن التنافس على مساحة الضوء إلى التنافس على القدرة على الإنجاز.

وهذا بالضبط ما يجعل بروفايل نزار بركة جديراً بقراءة مختلفة. فهو ليس وافداً عابراً على القيادة الحزبية، ولا اسماً صعد إلى الواجهة بفعل ظرف انتخابي. لقد تدرج داخل حزب الاستقلال عبر مختلف هياكله التنظيمية والنضالية، وخبر العمل الحزبي من داخله، وتراكمت لديه تجربة سياسية ومؤسساتية وحكومية واقتصادية، إلى أن بلغ أمانة الحزب، في مسار يعكس التدرج والمسؤولية والثقة التنظيمية.

وإلى جانب مساره الحزبي، راكم نزار بركة تجربة واسعة في الاقتصاد والمالية والعمل الحكومي والمؤسساتي والعلاقات الدولية، بما يجعله من السياسيين الذين يجمعون بين المعرفة التقنية والخبرة السياسية. وهذه المؤهلات تكتسب قيمة أكبر في مرحلة أصبح فيها تدبير الحكومة يتطلب فهماً عميقاً للتحولات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية والتكنولوجية.

فالمغرب اليوم أمام رهانات متشابكة: تعزيز تنافسية الاقتصاد، خلق فرص الشغل، معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، ضمان الأمن المائي، تطوير التعليم والتكوين، مواكبة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تسريع الانتقال الطاقي، وتعزيز مكانة المملكة في عالم سريع التحول، إلى جانب مواصلة ترسيخ الوحدة الترابية وتنزيل مبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة باعتبارها الإطار الواقعي والجاد والوحيد لتسوية هذا النزاع المفتعل.

وهي كلها ملفات لا تحتمل الارتجال، ولا تختزل في الشعارات، وإنما تحتاج إلى قيادة سياسية تمتلك الرؤية والخبرة والقدرة على تحويل الخيارات الوطنية الكبرى إلى سياسات ومؤسسات ووقائع على الأرض.

ومن ثم، فإن الحديث عن أحقية نزار بركة في رئاسة الحكومة المقبلة ليس مجرد طموح حزبي أو شعار انتخابي؛ بل هو طرح سياسي يستند إلى مسار، وإلى تجربة، وإلى رصيد حزبي، وإلى بروفايل قادر على مخاطبة تعقيدات المرحلة. فالمغرب المقبل يحتاج إلى قيادة تجمع بين الكفاءة والهدوء والقدرة على اتخاذ القرار، وإلى رجل يستطيع أن يدير الملفات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية الكبرى بعقلية رجل دولة لا بمنطق اللحظة.

أما حزب الاستقلال نفسه، فمن الصعب اختزاله في حضوره الانتخابي. إنه أحد أعرق وأكبر الأحزاب السياسية المغربية، تشكل في لحظة تأسيسية من تاريخ الدولة الوطنية، وتراكمت داخله عبر عقود مدرسة سياسية وتنظيمية وفكرية واسعة. ومنظماته وهيئاته وأطره ومنتخبوه ومناضلوه في مختلف المناطق ليست مجرد هياكل موسمية، وإنما تعبير عن تقليد سياسي يقوم على التأطير والوجود المستمر داخل المجتمع.

وهذه نقطة غالباً ما تغيب وسط صخب الانتخابات: هناك فرق بين حزب يعيش مع المجتمع، وحزب لا يتذكر المجتمع إلا عندما يحتاج لصناديق الاقتراع.

حزب الاستقلال ينتمي، تاريخياً وتنظيمياً، إلى الأحزاب التي بنت علاقتها بالمواطن على التأطير والدفاع عن القضايا الاجتماعية والوطنية، وليس فقط على الحملات الانتخابية. ولذلك فإن هدوء خطابه لا يعني فراغاً في الحضور، كما أن ابتعاده عن بعض المناكفات اليومية لا يعني غياباً عن المعركة السياسية.

والقوة الهادئة لا تعني الانسحاب من المواجهة، بل تعني اختيار المعارك التي تستحق أن تُخاض؛ لا تعني غياب الحدة في الموقف، بل القدرة على الجمع بين الحزم والاتزان؛ ولا تعني أن الحزب لا يريد أن ينتصر، وإنما أنه يريد أن يكون انتصاره قائماً على الإقناع والاقتراح والإنجاز، لا على استنزاف الخصوم.

وفي هذا المعنى، فإن ما قد يبدو للبعض مجرد هدوء في خطاب نزار بركة يمكن أن يُقرأ باعتباره شكلاً من أشكال القوة السياسية الهادئة: قوة رجل لا يحتاج إلى تحويل كل اختلاف إلى خصومة، ولا كل خصومة إلى أزمة، ولا كل أزمة إلى استعراض.

وربما لهذا تحديداً تصبح رصانة حزب الاستقلال مزعجة لبعض الحسابات الضيقة؛ لأنها لا تمنحها دائماً المادة التي تبحث عنها. فحين يصر طرف سياسي على إبقاء النقاش في مستوى البرامج والكفاءات والالتزامات، يصبح من الصعب جذبه إلى سوق المزايدات. وحين يكون الحزب ممتلكاً لتاريخ وتنظيم وأطر ومشروع، يصبح من الصعب اختزاله في لحظة إعلامية عابرة.

في النهاية، لا تُقاس قوة الأحزاب بما تقوله عن نفسها، ولا بما يقوله خصومها عنها، وإنما بما تستطيع أن تتركه من أثر في المجتمع والدولة. والسياسة، في جوهرها، ليست مسابقة في ارتفاع الصوت، بل امتحان في عمق الرؤية، ونبل الغاية، ودقة الاختيار، والقدرة على تحويل الفكرة إلى واقع.

ومن هذه الزاوية، فإن نزار بركة لا يقدم فقط صورة أمين عام لحزب يخوض انتخابات؛ بل يقدم، بما راكمه من تدرج نضالي وحزبي، وتجربة حكومية ومؤسساتية، وبما يحمله الحزب من تاريخ وأطر وتنظيم، صورة مرشح فوق العادة لقيادة الحكومة المقبلة، في مرحلة تحتاج إلى رجل دولة أكثر مما تحتاج إلى خطيب منصة.

أما حزب الاستقلال، فإن رهانه الحقيقي ليس أن يكون الأعلى ضجيجاً في المشهد، وإنما أن يكون من أكثر القوى السياسية قدرة على الإصغاء إلى نبض المجتمع، وصياغة أجوبته، وتأطير مواطنيه، وتحويل التزاماته إلى سياسات عمومية.

ففي زمن يكثر فيه الكلام، تصبح الرصانة موقفاً، وفي زمن تتسابق فيه الأصوات، تصبح القوة الهادئة لغة سياسية قائمة بذاتها. وحين تختلط السياسة بالضجيج، يصبح امتلاك مشروع واضح، وقيادة متزنة، وحزب متجذر في المجتمع، ليس ترفاً سياسياً، بل إحدى علامات الجدية والاستعداد لتحمل مسؤولية المستقبل

عن احمد ازبدار

شاهد أيضاً

تطوان: المكتبات تفرض شراء الدفاتر والأدوات مع المقرر.. وفوارق الأسعار تصل إلى 50 درهماً

بوست 24: أحمد أزبدار وقفت جريدة «بوست24» على فوارق شاسعة في أثمنة الدفاتر والأدوات المدرسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *