بوست 24 : أحمد أزبدار
لم تعد الهجرة من تطوان الكبرى نحو مدينة سبتة المحتلة، بالنسبة إلى عدد من الشباب، مجرد بحث عن فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى، بل أصبحت في حالات كثيرة انعكاساً لأزمة اجتماعية واقتصادية أعمق، عنوانها شح فرص الشغل، وضعف الأجور، وطول ساعات العمل، وغياب الاستقرار المهني.
وبينما اختار عشرات الآلاف من الشباب، خلال فترات مختلفة، المغامرة للوصول إلى سبتة المحتلة سباحة، وجد من بينهم شباباً سبق أن خاضوا تجربة العمل داخل عدد من المشاريع والأنشطة الاقتصادية بالمنطقة، قبل أن يصلوا إلى قناعة مؤلمة مفادها أن العمل بأجر هزيل لا يضمن لهم مستقبلاً ولا يحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة المهنية.
وتتحدث شهادات متداولة في أوساط شباب المنطقة عن أجور شهرية لا تتجاوز في بعض الحالات 2000 أو 3000 درهم، مقابل ساعات عمل طويلة، فيما يشتغل بعض العمال، وفق إفادات متداولة، دون عقود عمل واضحة أو استفادة منتظمة من التغطية والحماية الاجتماعية.
المفارقة الأكثر إيلاماً، بحسب عدد من الشباب، أن بعض المشاريع والأنشطة التجارية والخدماتية التي تدر مداخيل مهمة على أصحابها لا تنعكس بالقدر نفسه على العاملين فيها، الذين يجدون أنفسهم أمام أجور محدودة في مقابل ساعات طويلة من العمل ومسؤوليات متزايدة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يُطلب من شاب أن يختار البقاء في مدينته، بينما لا يجد عملاً مستقراً بأجر يحفظ كرامته، في الوقت الذي يرى فيه مشاريع ومؤسسات تحقق أرباحاً مهمة دون أن يشعر بأن نصيبه من هذه الدورة الاقتصادية يتجاوز أجراً بالكاد يغطي تكاليف الحياة؟
لكن استمرار تشغيل شباب بأجور متدنية، مع ساعات عمل طويلة ودون ضمانات مهنية واجتماعية كافية، يطرح سؤالاً جدياً حول مسؤولية الباطرونا المحلية في خلق بيئة عمل قادرة على إقناع الشباب بالبقاء وبناء مستقبلهم داخل مدينتهم.
فالشاب الذي يعمل طوال اليوم ثم يعود إلى منزله وهو عاجز عن ادخار ولو جزء بسيط من دخله، قد يبدأ في النظر إلى الهجرة باعتبارها، رغم مخاطرها، فرصة للخروج من واقع اقتصادي لا يرى فيه مستقبلاً.
وهكذا، فإن أزمة الهجرة من تطوان الكبرى لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الأمن ومراقبة السواحل ومحاولات الوصول إلى سبتة، بل أيضاً من زاوية أخرى أكثر إيلاماً: ماذا يجد الشاب داخل مدينته حتى يغامر بحياته بحثاً عن حياة أخرى؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ كذلك من الداخل، عبر توفير فرص شغل حقيقية، وأجور أكثر عدالة، واحترام ساعات العمل، وتعميم العقود والتغطية الاجتماعية، وربط نجاح المشاريع بتحسين أوضاع اليد العاملة التي تشكل أساس استمرارها.
فحين يصبح 2000 أو 3000 درهم سقفاً لأجر شاب يعمل لساعات طويلة، بينما تبدو أمامه في المقابل مشاريع تحقق مداخيل كبيرة، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا يهاجر شباب تطوان؟، بل يصبح أكثر مرارة:
ماذا فعلنا داخل تطوان حتى أصبح بعض شبابها يرون في البحر طريقاً للخلاص، وفي سبتة المحتلة أملاً أفضل من مستقبلهم داخل مدينتهم؟
Post 24 جريدة الكترونية